المنجي بوسنينة

42

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

البعض عن قبول أي تعديل في المنهج السلفي . بعد ذلك وبمدة مديدة ألف ابن عساكر - أحد كبار علماء المذهب الأشعري والمتوفى في الثلث الأخير من القرن السادس للهجرة - كتابا بعنوان « تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري » ، حرص فيه على تبرئة الشيخ مما كان ينسب إليه . فعل ذلك بعد أن مضى على وفاة الأشعري ما يزيد على القرنين ؛ وفي هذا دلالة أخرى على مدى تواصل الخلاف العقدي والفكري بين المدرسة السلفية والاتجاه الأشعري ، وعلى ما كان يرمز إليه مؤسس هذا الاتجاه بالنسبة إلى المحدثين وعلماء السلف . يعد النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ، وهي الفترة التي عاشها الأشعري ، فترة ضعف الدولة العباسية خاصة وتدهور الأوضاع السياسية عامة . في هذه الفترة اندلعت ثورة الزنج والقرامطة في المشرق ، كما تزايدت أهمية الدعوة الشيعية الفاطمية في المغرب . أما الحياة العلمية والفكرية فإنها واصلت نموّها بما للفقهاء والقراء والمتكلمين والأدباء من نشاط بلغ بالعراق آنذاك خاصة في البصرة وبغداد شأوا عظيما . إلى جانب هذا كان في العراق لأهل الذمة من النصارى واليهود والمجوس ولغيرهم مجال خصب عبروا فيه عن معتقداتهم وأفكارهم . غير أن هذه المرحلة شهدت بروز مؤشرات ضعف خطيرة هددت البناء الحضاري والفكري وكان الحدث الأهم الذي وسم هذا القرن هو الصدام بين التيار السلفي للمحدثين والمدرسة الاعتزالية . مرّ هذا الصدام بمرحلتين كبيرتين : طور الإدانة السياسية في عهد المتوكل العباسي 234 ه / 848 م ثم طور الإدانة الفكرية العقدية الذي تواصل بعد ذلك عقودا متوالية مما جعله محدّدا لمسار الأحداث التي عرفتها القرون الموالية وتعبيرا عن تراجع حضاري وديني عرفته ديار الإسلام . ومن جهة أخرى فقد قوي الخلاف الفقهي في بغداد بين الحنابلة والشافعية . يذكر الحافظ ابن الأثير في « الكامل في التاريخ » أن الخليفة العباسي الراضي ( ت 329 ه / 940 م ) لما عظم أمر الحنابلة ببغداد كاتبهم يهددهم قائلا : « لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم . . . ليستعملن السيف في رقابكم والنار في منازلكم ومحالّكم » . تقدم مثل هذه العبارات الموجزة جانبا من مظاهر هذا التراجع الذي ألمعنا إليه والذي نضيف إليه نوعا آخر من الصراع الذي نشب بين الحنابلة وبين الصوفية . ضمن هذا المشهد العام يمكن إدراك جانب من أهمية الأشعري وطبيعة الإضافة الفكرية التي يمثلها داخل الفضاء السنّي . لكن جهود الرجل في هذا المجال على خطورتها لا ينبغي أن تنسينا جانبا آخر يحتاج إلى التأكيد في سياق استعراض السمات البارزة لعصر الأشعري . لقد كنا أشرنا سابقا إلى علاقة الأشعري بالطرف الآخر الباطني ، ذلك الخصم المهاجم للعقل والمشكك في قدرته على المعرفة ، ذلك « الذي يعرف الحق بمعرفة ضده ونقيضه » . هذا الطرف الباطني الإسماعيلي الداعي إلى وجوب إمامة المعصوم الذي يعلم من أمر الربوبية والتوحيد ما لا يعلمه سائر الناس والذي يغترف من الحكمة الهرمسية والتعاليم الغنوصية مثل هذا